أبي بكر جابر الجزائري

11

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

فرعون وجنده متبعوكم ليردوكم . وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً : أي وإذا اجتزت أنت وقومك البحر فاتركه رهوا ساكنا كما هو حين دخلته مع بني إسرائيل . إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ : أي إن فرعون وقومه جند واللّه مغرقهم في البحر . معنى الآيات : قوله تعالى : وَلَقَدْ فَتَنَّا « 1 » هذا شروع في قصة موسى مع فرعون لوجود تشابه بين أكابر مجرمى قريش وبين فرعون في ظلمه وعلوّه ، والقصد تسلية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتخفيف ألمه النفسي من جرّاء ما يلاقى من أكابر مجرمى قريش في مكة فقال تعالى : وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ أي قبل كفار قريش قوم فرعون من القبط وجاءهم رسول كريم أي على ربه وعلى قومه من بني إسرائيل هو موسى بن عمران عليه السّلام ، أَنْ أَدُّوا أي بأن أدوا أي ادفعوا إلى عباد اللّه بني إسرائيل وأرسلوهم معي إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ على رسالتي صادق في قولي ، وبأن لا تعلوا على اللّه أي بأن لا تطغوا على اللّه فتكفروا به وتعصوه فيما يأمركم به وينهاكم عنه . إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي بحجة بينة واضحة على صحة ما أطالبكم به . وَإِنِّي عُذْتُ « 2 » بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أي استجرت وتحصنت أَنْ تَرْجُمُونِ بأقوالكم « 3 » أو أعمالكم ، وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أي لم تصدقوا بما جئتكم به فَاعْتَزِلُونِ ولما أبوا إلا أذاه وأرادوا قتله فَدَعا رَبَّهُ قائلا رب أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ كفرة ظلمة يعنى فرعون وملأه فأوحى إليه ربه تعالى فَأَسْرِ « 4 » بِعِبادِي أي بني إسرائيل إذ هم المؤمنون وغيرهم من القبط كافرون ليلا في آخر الليل وأعلمه أن فرعون وجنوده متبعون لهم ليردوهم وينكلوا بهم . وقوله تعالى : وَاتْرُكِ الْبَحْرَ « 5 » رَهْواً إِنَّهُمْ « 6 » جُنْدٌ مُغْرَقُونَ . إنه لما ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق فلقتين ودخل بنو إسرائيل البحر فاجتازوه أراد موسى أن يضرب البحر ليلتئم كما كان حتى لا يدخله فرعون وجنده فيدركوهم فقال له ربه تعالى أترك البحر رهوا أي ساكنا كما كان حين دخلتموه حتى إذا دخل فرعون وجنوده اطبقناه عليهم إنهم جند مغرقون وهذا الذي حصل فنجى « 7 » اللّه موسى وبني إسرائيل وأغرق فرعون وجنوده أجمعين .

--> ( 1 ) فَتَنَّا بمعنى ابتلينا وهو الأمر بالإيمان والطاعة أي عاملتهم معاملة المختبر لهم وذلك ببعث موسى وأخيه هارون عليهما السّلام . ( 2 ) كأنهم هددوه بالقتل فلذا استجار باللّه تعالى . ( 3 ) الرجم بالقول الكذب على الشخص والافتراء عليه كذبا والرجم بالأعمال معناه القتل بالحجارة . ( 4 ) قرأ نافع وغيره بهمزة وصل وقرأ حفص وغيره بهمزة قطع لأن الفعل ثلاثيا نحو سرى يسري سريا وأسرى يسري إسراء . ( 5 ) المراد بالبحر هنا بحر القلزم المعروف اليوم بالبحر الأحمر ورهوا منصوب على الحال والرهوة الفجوة الواسعة مأخوذ من ( رها ) إذا فتح بين رجليه ومعناه : أترك البحر مفتوحا ساكنا حتى يدخل فرعون وجنده فيهلكون . ( 6 ) جملة إنهم جند مغرقون تعليلية ومغرقون مقضيا ومحكوم بإغراقهم . ( 7 ) وكانت هذه النجاة يوم عاشوراء وهو عاشر شهر المحرم لحديث صيام اليهود فيه لأن اللّه أنجى فيه موسى وبني إسرائيل فصامه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأمر بصيامه وقال نحن أولى بموسى منهم .